مركز الثقافة والمعارف القرآنية
404
علوم القرآن عند المفسرين
بخلاف معجزات نبيّنا صلوات اللّه عليه فان عمدتها عقلية ، لفرط ذكاء أمته وكمال فهمهم ، ولأن هذه الشريعة ونبوة هذا النبي باقية دائمة مدى الدّهر ، واحكامه مستمرة إلى يوم القيامة ، فخصّ بنبينا بان أعظم معجزاته العقلية الباقية ليراها ذوو البصائر قرنا بعد قرن ، كالشمس تجرى ما استقرّت الأرضون ودارت السّماوات . عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال : « ما من الأنبياء نبيّ الّا اعطى ما بمثله آمن البشر ، وانّما كان الّذي أوتيته وحيا أوحاه اللّه اليّ فارجو ان أكون أكثرهم تابعا » . قال بعض العلماء : وان معناه ان معجزات الأنبياء انقرضت بانقراض اعصارهم فلم يشاهدها الا من حضرها ، ومعجزة القرآن مستمرّة إلى يوم القيامة ، وخرقه العادة في فصاحته وبلاغته ونظمه وأسلوبه واخباره بالمغيبات باق إلى آخر الدّهر ، فلا يمر عصر من الاعصار الّا ويظهر فيه شيء مما اخبر به انه سيكون ، وكل من سمعه في القرون المتطاولة وكان عارفا بكلام العرب وأسلوب بيانهم يتم عليه الحجة بسماعه ، كما قال اللّه عزّ وجلّ : أَ وَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ « 1 » ، وقال تعالى : وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ « 2 » فان الآيتين دالتان على أن الحجة بتلاوة الكتاب العزيز وسماع كلام اللّه تتمّ على كل أحد من العارفين بكلام العرب ومحاوراتهم . روى أن رجلا سأل أبا عبد اللّه عليه السّلام : « ما بال القرآن ولا يزداد على البشر والدرس الّا غضاضة » فقال عليه السّلام : « لانّ اللّه تبارك وتعالى لم يجعله لزمان دون زمان ، ولناس دون ناس ، فهو في كل زمان جديد وعند كل قوم غض إلى يوم القيامة » . وفي خطبة طويلة لأمير المؤمنين صلوات اللّه عليه : « ثم انزل عليه الكتاب نورا لا تطفأ مصابيحه وسراجا لا يخبأ توقده وبحرا لا يدرك قعره ومنهاجا لا يضل ناهجه وشعاعا لا يظلم ضوؤه وفرقانا لا يخمد برهانه وبنيانا لا تهدم أركانه » . وفي رواية عن الرّضا عليه السّلام : « لا يخلق من الأزمنة ولا يغثّ على الألسنة ، لانّه لم يجعل لزمان دون زمان ، بل جعل دليل البرهان وحجة على كلّ انسان لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ
--> ( 1 ) سورة العنكبوت : الآية 29 . ( 2 ) سورة التوبة : الآية 6 .